الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية مطلوب إجازة لـ"الأنا" السياسي لشهر واحد.. بقلم منير الشرفي

نشر في  18 جوان 2019  (17:17)

بقلم منير الشرفي
شهر واحد ما زال يفصلنا عن تاريخ 22 جويلية، موعد انطلاق تقديم القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية، يليها بعد أسابيع موعد تقديم الترشحات للانتخابات الرئاسية.
في هذا الظرف، كان من المفروض أن تكون الرؤية قد اتّضحت في المشهد السياسي وأصبحنا نعرف ما ينتظرنا في العهدة الرئاسية والنيابية القادمة. لكن الضبابية ما زالت تُسيطر على الساحة، وبشكل مُفزع ومُحيّر.
الواضح هو أن كافة المشاركين في السلطة الحالية تركوا تسيير البلاد جانبا وانهمكوا، منذ أشهر عديدة، في شحذ سيوفهم للمعركة الكبرى، كما أن المعارضين وعدد كبير من المستقلين بدأوا بعدُ حملاتهم الانتخابية، وهو ما يزيد المشهد تعقيدا والمواطن حيرة.
النهضة، إن بعد اليسر عسرا
المفاجأة في تونس، منذ الثورة تمثّلت في أن حركة النهضة، رغم أنه لم يكن هناك أخواني واحد في شارع بورقيبة يوم 14 جانفي 2011، هي التي مسكت باستمرار بخيوط اللعبة لتضع أنصارها أحيانا وبيادق أحيانا أخرى في مواقع القرار. فعُهدت إلى الجبالي والعريض من جهة، والمرزوقي وبن جعفر من جهة أخرى، مهمة تنفيذ سياسة مونبليزير من 2011 إلى 2014. ثمّ جاء الدور على الباجي قائد السبسي الذي اختلط لديه الخطّان المتوازيان وانحصر اهتمامه في تبجيل نجله، لتعود السلطة للنهضة، وليسير "النداء" على خطى "التكتل" و"المؤتمر". وها هو الشاهد ينسج على منوال أسلافه ويُغمض عينيه أمام هيمنة النهضة المطلقة على السلطة دون أن يقوم طيلة السنوات التي قضاها في القصبة بأي إجراء من شأنه أن يُزعج مونبليزير. طبعا، لا يُنتظر منه تحريك ملف "الجهاز السري" مثلا، ولكن كان بإمكانه القيام بأي حركة بسيطة، كاعتماد الحساب عند دخول شهر رمضان على سبيل المثال، حتّى يُقال عنه بأنه يختلف مع الاسلام السياسي.
دهاء زعماء الحركة من جهة، ومساندة قوى أجنبية فاعلة من جهة أخرى، عبّدا الطريق أمام النهضة لتصل إلى السلطة ثمّ لتبقي فيها طيلة هذه السنوات، بالإضافة إلى ما كانت تحظى به من لدن الشعب من رفق وشفقة جرّاء ما لقيه أنصارها من سوء المعاملة في سجون بن علي، وطمعا في أن يتولّى السلطة من يخشى الله في عباده. لكن كل هذه المعطيات تغيّرت اليوم بشكل ملحوظ. فعلى الصعيد الدولي، انقلبت الحظوة التي كان يتمتع بها الإخوان المسلمون لدى القوى العالمية إلى عداء بعد تفشّي الإرهاب الإسلاموي في العالم. أما داخليا فإن الاغتيالات السياسية، وملف الجهاز السري، والتقهقر الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق، والفوضى السياسية والثقافية التي أصبحت عليها البلاد، وتنامي الفساد، وانعدام الكفاءة لدى المُسيّرين الجدد، أدّت كلها إلى اقتناع التونسي بأن الشوكوتوم لم يعد يُجدي نفعا، وأن شعار "من يُصوّت للنهضة يدخل الجنة" لم يعد ينطلي على أحد، بدليل تقهقرها في الانتخابات البلدية وفي عمليات سبر الآراء.
لهذه الأسباب، لا نرى أن "العصفور النادر" ستكون له حظوظ أوفر من تلك التي كانت للمرزوقي سنة 2014، رغم الأصوات التي سيحصل عليها لا محالة من قبل الأنصار القارين لحركة النهضة والذين تدلّ كل المؤشرات على أن عددها يقرب من 500 ألف. ويُشترط في ذلك طبعا أن يكون في المقابل مُترشّح مقنع وقادر على الحصول على أغلبية مريحة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.
فمن يكون هذا المرشّح ؟ 
يبدو لي من البديهي أن التونسي لن يُلدغ من الجحر مرّتين. واختياره لرئاسة الجمهورية لن يكون لفائدة من تُشتمّ منه رائحة امكانية التواطؤ مع الاسلام السياسي وتسليمه السلطة مباشرة بعد الانتخابات، ولن يكون أيضا لمن جُرّب ففشل. وهو ما يستثني كل مُرشّحي النهضة والنداء ومن لفّ لفّهما.
عمليات سبر الآراء تُؤكّد أن المواطن عاقد العزم على القيام بتصويت عقابي (Vote sanction). والرسالة التي بعث بها لنا سبر الآراء هذا تبدو لي واضحة. فالتونسي أصبح مستعدّا لمنح السلطة لمن يُمثّل النظام السابق (عبير موسي) تعبيرا منه عن سخطه لكل ما أفرزته الثورة، أو إلى نكرات في السياسة (نبيل القروي وقيس سعيّد) تعبيرا منه عن رفضه للطبقة السياسية برمتها، سلطة ومعارضة ولجوئه إلى الخطابات الشعبويّة.
ورغم قصر المدّة التي ما زالت تفصلنا عن موعد الانتخابات، فإن بروز أسماء أخرى أكثر جدّيّة، من غير الحكام الحاليين، ما زال ممكنا، على غرار المهدي جمعة أو نجيب الشابي... والإشكال القائم الوحيد في هذا المجال يبقى تعدد المُرشحين من نفس العائلة السياسية ممّا سيضرّ بهم جميعا وبالبلاد. وتنظيم انتخابات أولية بينهم هو الحلّ الأمثل لانتخاب رئيس جديد للعهدة القادمة يقطع مع الفساد ومع المتاجرة بالدين والتجارب الفاشلة، ويعمل على إرساء الأسس الحقيقية لدولة القانون والمؤسسات وعلى إقامة نظام تقدّمي اجتماعي حداثي.
الحسم في التشريعية
أما على الصعيد التشريعي فالأمر أكثر تعقيدا. إذ أن المجلس النيابي حسب الدستور الحالي له من الصلاحيات ما يجعله يتحكّم في تسيير شؤون الدولة بشكل مُشطّ، من ذلك بالخصوص انتخاب رئيس الحكومة وأعضاءها ومراقبتهم، علما بأن الحكومة تتمتّع بأكثر من 80 بالمائة من السلطة التنفيذية. وإذا كان البرلمان منقسما بشكل يستحيل معه إقامة تحالف موضوعي ومتناغم والحصول على أغلبية تُمكّنه من ممارسة السلطة، فهو يشلّ العمل الحكومي، وبالتالي العمل السياسي ككل. وهو ما عشناه في السنوات الأخيرة وما انجرّ عنه من فوضى ومن تغييب الدولة وانعدام الرؤية، فانهار الاقتصاد وانهارت معه القيم وعمّت الضبابية.
لتفادي العودة إلى هذا الوضع، وفي انتظار مراجعة جريئة للدستور، كان على القوى الديمقراطية والتقدمية التي بمقدورها نظريّا الحصول على أغلبية مريحة من أصوات الناخبين ومن مقاعد المجلس النيابي، أن تلمّ شتاتها وتستعد لهذه الانتخابات كأحسن ما يكون. 
كان بإمكانها ذلك، بل ومن واجبها، لكنها لم تفعل.
الانتخابات البلدية الأخيرة أظهرت أن المواطن التونسي نفر الأحزاب، الحاكمة منها بالخصوص، وبرز التوجّه نحو المستقلين الذين كان لهم نصيب لا يُستهان به في مقاعد المستشارين البلديين، وحتى رؤساء البلديات، ممّا حدا بالكثير من المناضلين المستقلين إلى الاعتماد على المجتمع المدني، بعيدا عن الأحزاب، لمحاولة بناء قوّة سياسية غير مُتحزّبة تطمح إلى الحصول على جزء هام من مقاعد البرلمان. فأُنشِئت مبادرات مواطنية مدنية لهذا الغرض، مُديرة ظهرها إلى الأحزاب. وما زال في البال تجربة "الاتحاد المدني" التي جمعت أحزابا ومستقلّين في الانتخابات البلدية الأخيرة، وهي تجربة باءت إجمالا بالفشل بسبب الطغيان غير المُبرر لبعض الأحزاب على المستقلين. هذا الطغيان أفشل تجربة كان يٌمكن أن تكون رائدة لولا الإصرار على خدمة بعض الأشخاص وبعض الأحزاب على حساب المصلحة الوطنية العامة.
تجربة المبادرات المدنية أظهرت حدودها في الإقناع والانتشار من جهة، ممّا يجعل تشريك الأحزاب لا مناصّ منه، كما أظهرت من جهة أخرى، بخصوص البعض منها على الأقل، سلوكيات شبيهة بتلك التي منعت الأحزاب من التوحّد والتحالف، وأعني الرغبة في الهيمنة.
من ناحية أخرى، يجب ألّا ننسى التأثير الكبير الذي يمكن لبعض المنظمات الوطنية، وخاصة منها اتحاد الشغل، أن تقوم به على عدد كبير من الناخبين. وهو ما كان يستوجب أخذه بعين الاعتبار منذ أشهر عديدة.
فرصة الدقيقة 90
أمام هذا الوضع، كان لا بدّ من قيام تحالف صلب بين المبادرات المدنية من جهة، وقيام ائتلاف قويّ بين الأحزاب التقدمية، على أن يتمّ التنسيق بين المجموعتين بحكمة ومسؤولية بما يُشكّل كيانا قويّا قادرا على جلب مساندة المنظمات الوطنية والجمعيات الديمقراطية.
هذا المقترح قوبل، مع الأسف، ببرودة شديدة من قبل جل المبادرات المدنية ومن قبل جل الأحزاب التقدمية على حد السواء، ممّا فوّت على البلاد فرصة جعل الانتخابات القادمة نقطة تحوّل كبرى تفصل بين الرداءة والفوضى وبين نظام يعتمد على الكفاءة والوطنية.
شهر واحد ما زال يفصلنا عن موعد انطلاق تقديم القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية. وهي مدّة يستحيل القيام خلالها بعمل جبّار يقلب موازين القوى خدمة للوطن وللأجيال القادمة. لكن المستحيل يُصبح ممكنا في حالة واحدة، وأعني عودة الوعي بوجوب منح راحة ل"الأنا" لهذا الشهر.

المصدر: الشارع المغاربي